ابن عبد الرحمن الملطي

44

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

تدبرت ذلك نفعك إن شاء الله . قال مقاتل : أما ما شكت فيه الزنادقة في مثل هذه الآية ونحوها من قوله جل ثناؤه : ( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) [ 80 ] ، ثم قال في آية أخرى : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) [ 81 ] ، فهذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا ، وليس بمنتقض ، ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة . أما تفسير ( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) فأول ما يجتمع الخلائق بعد البعث فهم لا ينطقون في ذلك الموطن ( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) ، قال : مقدار ستين سنة ثم يؤذن لهم في الكلام فيكلم بعضهم بعضا : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) عند الحساب ثم يقال لهم : ( قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) [ 82 ] بعد الحساب . وأما قوله جل ثناؤه : ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) [ 83 ] ، وقال في آية أخرى : ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) [ 84 ] فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا ، يقول : هم بكم ، ونادى أصحاب النار وليس بمنتقض ، ولكنها في تفسير الخواص في المواطن المختلفة . وأما قوله : ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) فإنهم أول ما تدخلون النار ينادون أهل النار : ( وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) [ 85 ] وينادون أصحاب الجنة : ( أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ) [ 86 ] ( ويقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ) [ 87 ] ، فيتركهم مقدار سبعة آلاف سنة أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يقول عز وجل سبحانه في آخر ذلك : ( اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ) [ 88 ] ، فعند ذلك صاروا عميا وبكما وصما لا يستطيعون الكلام ولا يسمعون ولا يبصرون : فهذا تفسيرها . وأما قوله عز وجل : ( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ) [ 89 ] ، فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا حين قال : ( وَلا يَتَساءَلُونَ ) وقال في آية أخرى : ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) [ 90 ] وليس بمنتقض ولكنهما في تفسير